الشيخ محمد رشيد رضا
449
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
قال ) وقال هناك « ثُمَّ يَتُوبُونَ » فأسند التوبة إليهم وقال ههنا « قالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ » فبين أن واحد هؤلاء يدعى التوبة عند العلم بالعجز عن الذنب أي إن قلبه لم ينخلع من الذنب ونفسه لم ترغب عنه فيكون تائبا ، وإنما مثله كمثل رجل كان يعيث في أرض آخر فسادا فظفر به هذا ووضع السيف على عنقه وأراد أن يفصل رأسه عن بدنه ، فاستغاث وقال : إنه لا يعود إلى ذلك الافساد ؛ ولكن نفسه لم تنفر منه ولم تستقبحه لأنه فساد ، فهي إذا زال الخوف تعود إلى الدعوة اليه ولا تلقى من صاحبها إلا الطاعة والانقياد ، ولهذا قيد القول بكلمة « الْآنَ » والآنية تنافى الاستمرار الذي دل عليه المضارع « يَتُوبُونَ » هناك . ومن هنا يمكننا أن نميز الحق من بين تلك الأقوال التي رووها في حضور الموت ، كقولهم إن المراد به حال الحشرجة أو الغرغرة أو ذهاب التمييز والادراك ومن كان في مثل هذه الأحوال لا يصدر عنه قول . والمختار أن المراد بحضور الموت هو تحقق وقوعه واليأس من الحياة . « وحتى » ابتدائية وما بعدها غاية لما قبلها أي ليست التوبة للذين يعملون السيئات منهمكين فيها إلى حضور موتهم وصدور ذلك القول منهم . وأقول : وقدر بعض المفسرين قيد « عَلَى اللَّهِ » فقال المعنى وليست التوبة أي قبولها حتما لهؤلاء ونفى التحقيق غير تحقق النفي فيكون أمر من ذكر في هذه الآية مبهما يفوض الأمر فيه إلى اللّه تعالى . وما اختاره شيخنا هو الصحيح المتبادر ثم قال إنهم يروون هنا أحاديث في قبول توبة العبد ما لم يغرغر أو تبلغ روحه الحلقوم وإني أوافقهم على ذلك إذا حصلت التوبة بالفعل بأن أدرك المذنب قبح ما كان عمله من السيئات وكرهه وندم على مزاولته وزال ميله اليه من قلبه بحيث لوعاش لما عاد اليه أي مع الروية والتعمد كما كان . وما كل تصور لقبح الذنب أو تصديق بقبحه وضرره يكون سببا لتركه فان للتصورات والتصديقات مراتب لا يعتد منها في باب العلم النافع إلا بالقوى الذي يترتب عليه العمل لرجحانه على مقابله . وضرب مثلا للتصديق المرجوح : تصديقه ما قاله الأطباء له من أن صوته يضره الحامض وقد أيدت التجربة ذلك وهو مع ذلك لا يعده علما يقينيا تاما لأنه مغلوب بعلم وجداني « تفسير النساء » « 29 رابع » « س 4 ج 4 »